سريري هو منـزلي ....والقارب يمكن أن يكون قبـري ؟
الهجرة غير الشرعية تهدد مستقبل مالطا
ايمن عبد النور : مالطا 1 آب 2008
رغم أن سريره يقبع في الأعلى ضمن خطوط من الأسرة ذات الطابقين التي تمتد على طول الصالة الكبيرة والتي تضم ما لا يقل عن 40 منها , يقول احمد المهاجر غير الشرعي الداكن السمرة " أنام وآكل وأقرأ واتسلى على سريري لقد أصبح بالنسبة لي بمثابة منزلي , لم أكن أقصد المجيء لمالطا فجميعنا نريد الذهاب لبلد أكبر واغنى يستطيع استيعابنا ونستطيع العمل فيه " , تلخص هذه العبارة معاناة اللاجئين غير الشرعيين الذين يأتون في أغلبهم من دول أفريقية تشهد نزاعات وحروب تجعل الواقع صعباً ومريراً ما يدفع السكان للهجرة بحثا عن مكان آمن وفرصة عمل . وتساهم الإشاعات التي تغذي فكرة أن الحل هو بالهجرة غير الشرعية عبر قوارب الموت لأوروبا " قالوا لنا وإن قبض عليكم فستوضعون في مكان آمن ويتم الإفراج عنكم بعد ثلاثة أشهر , وإذا كان معك زوجتك واولادك فإنكم ستمنحون فورا حق اللجوء الإنساني " ويتابع حسين من الصومال " هذا ما دفعني لبيع كل ما املك لأتمكن من دفع الأموال التي طلبها المهربون لإيصالي من ليبيا لإيطاليا لأفاجئ بأنني اصبحت في مالطا ".
تتشدد السلطات المالطية في تعاملها مع هذه الظاهرة لتوجيه رسالة قوية للمغامرين الراغبين بالقدوم إليها بعدم المحاولة لأنهم سيواجهون وضعا صعباً , إذ يتم وضع المهاجر غير الشرعي في أحد المراكز الثلاث للاحتجاز المغلق حيث لا يتمكن من الخروج من المركز لمدة تتراوح بين 12-18 شهر كحد اقصى يتم خلالها البت بطلب اللجوء السياسي او الإنساني الذي يتقدم به فور وصوله.
وتبلغ نسبة قبول الطلبات باللجوء حوالي 55 % كما يقول اندرو سيشل نائب قائد الشرطة المسؤول عن الهجرة , وبعد قبول الطلب يتم نقل المحتجز لأحد مراكز الاحتجاز المفتوح العشرة والتي تديرها منظمات حكومية وغير حكومية ويعمل فيها متطوعون. ويحظى المهاجر بالخدمات الطبية والصحية وتوفر لهم أماكن العبادة الدينية، ويحق لهم الخروج والدخول للمركز متى أرادوا.
وتؤكد الصورة على ارض الواقع على ان عدد الولادات بين المهاجرين في هذه المراكز في تزايد مستمر إذ أن كثيرا من النساء اللواتي كن يجلسن في باحات مراكز الاحتجاز كن يرعين اكثر من ثلاثة اطفال في اعمار متفاوتة. تقول ميريام " لقد تركت ابنتي في الصومال وهن بين 5 و 14 عام وانجبت هنا ثلاثة اطفال اصغرهم عمره ستة اشهر وكنت قد وصلت إلى مالطا مطلع عام 2005 بعد ان اجتزت عدة بلدان بحثا عن مكان آمن يؤويني هربا من الحرب والفقر " .
أما سارة وهي ام لطفلين في العقد الثالث من العمر، فتشير إلى طفل يلعب أمامها بكرة أهدته إياها عائلة مالطية تأتي لزيارتها بين فترة واخرى " عباس هو ابني الثاني الذي ولدته خلال السنوات الثلاث الماضية التي امضيناها في مالطا ,الأولاد بالنسبة لي ولزوجي الذي لا يعمل هما الأمل في استمرار المساعدات الإنسانية بشكل أفضل. كما أن وجودهم معنا يساعدنا ويساعدهم في ان يمضي الوقت دون أن نشعر , ان الزمن يمر كئيباً وثقيلاً في مراكز الاحتجاز" .
ولكن المشكلة الكبيرة التي تواجه القاطنين في مراكز الاحتجاز المفتوح هي أنه " لا يتم إعطاؤهم جنسيات ويبقى وضعهم معلقا بانتظار تأمين بلد يستقبلهم للهجرة إليه أو أن يقرر المهاجر العودة لبلده "كما يقول اليكس تورتل مدير منظمة رعاية طالبي اللجوء . ويعود السبب في ذلك لعدم إمكانية مالطا استقبال وصعوبة إدماج هؤلاء المهاجرين إلى أن جميعهم لم يكونوا يقصدون المجيء الى مالطا كبلد نهائي بل وجدوا انفسهم فيها،وهم يخططون للانتقال لبلد آخر. تقول سارة " من حقنا ان نبحث عن حياة افضل ونريد من مالطا ان تساعدنا ,ففي بلادنا الحياة اصبحت مستحيلة فالفقر والحروب يحولان دون استمرار حياة للناس , نعرف ان مالطا بلد صغير ولا نريد ان نشاركههم في موارد حياتهم ".
ويجعل صغر مساحة مالطا 317 كم 2 وكثافتها السكانية العالية التي تبلغ 1256 شخص / كم 2 وهي ثالث أعلى كثافة بالعالم بعد قطاع غزة وهونغ كونغ، من الصعب إيجاد أماكن أو خلق فرص عمل في الاقتصاد المالطي الذي يعتمد على السياحة والخدمات في ظل عدم وجود ثروات باطنية. يقول المطران فيليب كاليجا من هيئة الهجرة المالطية " أن عدد المهاجرون غير الشرعيون السنوي يزيد عن نصف عدد الولادات في مالطا , هذا الرقم يهدد الوضع الديمغرافي إذا ما بقيت المشكلة تتفاقم دون حل". ويضيف اندرو سيشل مساعد مفوض الشرطة " صحيح أن العدد الكلي هو صغير بحدود 1800 سنوياً ولكنه بالنسبة لمالطا يعادل رقم 249000 مهاجر غير شرعي لدولة بحجم ايطاليا " .وبالتالي فإن الاعتماد على إمكانات دولة صغيرة مثل مالطا لن يكون مجديا بدون تدخل مباشر من الاتحاد الاوروبي التي هي عضو فيه منذ ايار 2004 . ويقول سيمون بوسوتيل عضو البرلمان الاوروبي ومقرر لجنة الهجرة "إن عدم وجود اقنية شرعية للهجرة يدفع لإيجاد هذه الأقنية الغير شرعية ,إن اوروبا بحاجة لإقرار خطة لإعادة التوطين كما في الولايات المتحدة بحيث تتضمن سياسة موحدة تجاه قضايا الهجرة وحماية الحدود وسياسات إدماج المهاجر بالمجتمع الذي يريد أن يسكن فيه، والأهم أن تتشارك الدول الأعضاء جميعاً بالأعباء المترتبة عن المهاجرين وليس فقط الدول الأوروبية الحدودية " .
وبهذا الصدد تقول المحامية جوانة دراك من المفوضية الاوروبية في مالطا " اعتقد ان المهاجرين يشكلون ضغطا عاليا على مالطا خاصة انها ملزمة بتنفيذ قوانين الاتحاد الاوروبي التي تنص على الاهتمام الإنساني باللاجئين دون ان يكون لمالطا نفس مقدرات الاتحاد الاوروبي المالية واللوجيستية " .
ولوزير العدل والداخلية السيد كاميلو بونيتشي وجهة نظر حول ما هو متوقع من الاتحاد الاوروبي " ننتظر أعمال اكثر وإجراءات ملموسة من الاتحاد الاوروبي في موضوع المساهمة في تحمل الأعباء ونحن واثقون أنه في النهاية سيتجاوب , ورغم بطئ بيروقراطية الاتحاد ولكن وجودنا فيه يجعل صوتنا مسموع ويذكر دائما بهذه القضية ".
ولقد وقعت الحكومة المالطية اتفاقا مع منظمة ( اطباء بلا حدود ) بتاريخ 30 تموز 2008 للمساهمة في تقديم خدمات طبية جيدة للمحتجزين وذلك للتقليل من الانتقادات التي توجه للحكومة بعدم التعامل بطريقة مناسبة مع موجات المهاجرين غير الشرعيين, ومنها التقرير الصادر عن منظمة العفو الدولية التي رد وزير العدل على انتقاداتها بالقول "لقد دعيناهم مرارا لزيارة مراكز الاحتجاز للاطلاع ميدانيا على ما تقدمه الحكومة ولكن من دون جدوى" .
سيبقى مستقبل مالطا معلقاً بين مشهد القوارب المحطمة والغير صالحة للخدمة في مركز صافي لاحتجاز المهاجرين الغير شرعيين والتي يكبر ويزداد عددها يوما بعد آخر يقابلها على بعد امتار تزايد لعشرات الشبان الذين يقفون خلف سياج محكم الاغلاق، يتوزعون غرف فقيرة في خدماتها مكتظة بالنزلاء , مساحتها تضيق لتصبح بقدر الحلم المتلاشي. فبين المهاجر الذي يقول ان قاربي يمكن ان يصبح قبري وبين المالطيين الذين يرون موجة الهجرة غير الشرعية أعلى وأخطر من أمواج البحر التي تحيط بهم من كل جانب تتلخص ازمة الهجرة غير الشرعية الى مالطا.