تقاريرالمراسلين
44690 السنة 133-العدد 2009 ابريل 15 19 من ربيع الاخر 1430 هـ الأربعاء
تضارب المصالح يلهب النيران تحت الرماد
الصراع في القوقاز.. ومأساة البحث عن وسيط نزيه!
رسالة أرمينيا-شـريف عابديـن:
لقد فقدت احدي ساقي في حرب ناجورنو كاراباخ ولهذا يلقبونني ببطل أرمينيا انه وزير الدفاع الأرميني سيران أوهانيان الذي جسدت كلماته عظم الفخر الذي لاتفارقه أحاسيس قاتمة بغصة حرب عطلت قاطرة التنمية في بلد لم يمر عليه سوي نحو عقدين من الانفكاك من مظلة الاتحاد السوفيتي.
لقد شعرت وكأنني لم اغادر منطقة الشرق الأوسط, ولمست ذلك أثناء تنقلي بين شوارع وأزقة العاصمة الأرمينية يريفان وقري النازحين الذين فروا من جحيم حرب دامت4 سنوات قبل ان تضع اوزارها مؤقتا عام1994 بعدأن اكتوي30 ألف قتيل بنيرانها, وأوجدت لدي تلك المشاهدات شعورا بأنني داخل منطقة صراع قابلة للاشتعال بين لحظة وأخري.
فلم يكن الصراع في منطقة القوقاز, ووقوده التناحر بين أرمينيا وأذربيجان لفرض السيطرة علي كاراباخ, مجرد قنبلة ملقاة من بين مخلفات انهيار الاتحاد السوفيتي علي غرار نزاعات مماثلة في البلقان مثل سربرينيتسا وكوسوفا فمأساة كاراباخ بدأت في أوج الامبراطورية السوفيتية, وكانت بمثابة احدي أوراق الكوتشينة التي كان يجيدها القادة السوفيت لاحتواء طموحات بعضهم البعض في لعبة توازن القوي. فالزعيم السوفيتي لينين حاول احتواء غريمه ستالين فأرسله إلي القوقاز قبل أن يقرر الأخير تحويل كاراباخ إلي منطقة تتمتع بشبه حكم ذاتي تحت السيادة الأذربيجانية. وعلي طريقة فرق تسد وضع السوفيت أغلبية أرمينية تحت حكم أذربيجان حتي يعود الأرمن والأذربيجانيون دوما إلي المركز موسكو.
في رأي المحلل السياسي ريتشارد جيراجوزيان أن الحرب الروسية ـ الجورجية التي اندلعت في أغسطس الماضي حول أوسيتيا الجنوبية كانت احد العناوين الرئيسية للتحولات الدراماتيكية المتوالية في المنطقة, فقد تبدلت موازين القوي لتظهر روسيا من جديد علي السطح, فيما تحاول تركيا الحفاظ علي مصالحها في المنطقة, واستغلال التشابه الجيو ـ سياسي بين القوقاز والشرق الأوسط بعد ظهورها في جهود وساطة شرق أوسطية, لتسعي أنقرة عبر محادثات سرية مع أرمينيا لتطبيع العلاقات تمهيدا للقيام بدور ما مرسوم لها بالقوقاز.
الوساطة التركية
بابتسامة ودودة استقبلني وزير الخارجية الأرميني ادوارد نالبانديان مع مجموعة من الصحفيين من الشرق الأوسط في مكتبه البسيط بالعاصمة يريفان ولكن تلك الابتسامة سرعان ما تحولت إلي الوجوم حين سألته عن امكانية أن تقود تركيا جهود المصالحة مع أذربيجان انطلاقا من العلاقات التاريخية الحميمة بين باكو وأنقرة.
فبالرغم من أن نالبانديان يبدي رغبة رسمية في تطبيع العلاقات مع تركيا وفتح الحدود وإقامة علاقات جوار متميزة إلا أن آثار مذابح الأرمن علي يد الاتراك عام1915 لاتزال مرارتها بالحلقوم ولم تفلح دبلوماسية كرة القدم حين حضر الرئيس التركي جول العام الماضي مباراة لكرة القدم في يريفان في تطهير ما بالقلب.
تقول لاريسا الافيرديان عضو مجلس الشعب الأرميني انه ليس بامكان تركيا ان تكون وسيطا نزيها لانها أعلنت مسبقا أن لها في المنطقة دولة شقيقة هي أذربيجان, واستدلت بقول المحلل السياسي الاذري وفا زادة: كفاكم الاعتقاد ان الاتراك والاذريين مختلفون, فكلاهما شعب اثني واحد. وترهن أنقرة تطبيع العلاقات مع يريفان بتسوية النزاع حول كاراباخ وخروج أرمينيا منه, وهو ما تعتبره الأخيرة تدخلا في شئونها الداخلية.
الابتزاز السياسي
ويعبر الكاتب الأرميني زوري بالايان عن منحي متشدد في التعامل مع تركيا لمسته أيضا مع مسئولين آخرين, فبرأي بالايان أن سبب حرب كاراباخ هو التدخلات التركية لصالح أذربيجان, معتبرا أن النزاع يخضع لابتزاز الدول المؤثرة بالمنطقة وعلي رأسها تركيا مبديا تساؤلا عن كيفية توسطها بينما هي تحتل حسب قوله40% من قبرص!
يشعر الأرمن بالأمان عبر وساطة مجموعة منسك وتضم( أمريكا ـ روسيا ـ فرنسا) التي نجحت في الحفاظ علي الهدنة منذ15 عاما وإعلان أذربيجان هزيمتها واستيلاء أرمينيا علي14% من اراضيها بما فيها ناجورنو كاراباخ.
وفي رأي وزير الخارجية نالبانديان أن دول منسك الثلاث تمارس دورها بعيدا عن مصالحها الخاصة, لكن هذا الرأي مردود عليه حيث لم يعد سرا أن دولتين في المجموعة روسيا وفرنسا أبرمتا صفقات أسلحة ضخمة مع أذربيجان وأرمينيا. ولاتزال يريفان تؤمن أيضا بدور منظمة الأمن والتعاون الأوروبي لتسوية النزاع مع الترحيب بدور إيراني مأمول.
دور إيراني
ويجمع المحللان السياسيان لاريسا وبالايان علي ان بامكان إيران لعب دور الوسيط باعتبارها جارة تاريخية لأرمينيا, كما تحاول يريفان استغلال فتور باكو تجاه إيران علي اثر دخول طهران في مشروعات ضخمة للطاقة مع أرمينيا مما أوجد شراكة بينهما تحتاجها يريفان.
وهناك من يتبني وجهة نظر لطالما كررها الرئيس الأرميني السابق روبرت كوتشريان ومنهم ليفون ماليك شاهنازاريان المحاضر السياسي بجامعة يريفان وهي أن النزاع يجمع أذربيجان وكاراباخ ثم اقحمت فيه أرمينيا, مع بداهة وقانونية وجود كاراباخ كدولة مستقلة.
وتبقي الحقيقة المؤلمة علي الأرض شاهدة علي مأساة إنسانية مروعة في القري خارج يريفان, ففي تيكراناشين ويفيكان وبارويجة سيفاك شاهدت ثالوث الفقر والجهل والبطالة, وتذكرت قول جيراجوزيان بأن أرمينيا وأذربيجان كلتيهما تفتقدان للقيادة الحكيمة في ظل قيادات موروثة من العهد السوفيتي.
الحرب متوقعة
يتوقع المحلل السياسي جيراجوزيان أن تشن أذربيجان حربا علي أرمينيا ما بين8 ـ10 سنوات فالاستفزازات العسكرية علي حدود كاراباخ لاتنقطع, وخلال الشهرين الماضيين وحدهما وقع700 خرق للهدنة, ولايمكن استقراء تبعات تلك الخروقات دون إدراك خطورة سباق التسلح بالمنطقة, فقد تضاعفت الميزانية العسكرية لأذربيجان10 مرات خلال الخمس سنوات لتصل إلي2,3 مليار دولار والتقدير منسوب لوزير الخارجية الأرميني الذي يعتبر ذلك متنافيا مع القواعد الأوروبية بألا لايتعدي الانفاق العسكري الدخل القومي.
وعلي الجانب الآخر, تعكس الاستعدادات العسكرية علي الجانب الأرميني حالة من الترقب للخطر الذي لاينفيه وزير الدفاع أوهانيان الذي اعترف بأن بلاده استغلت الهدنة المستمرة14 عاما منذ1994 لتجديد الجيش وتنمية قدراته القتالية بالتوازي مع الدخول في اتفاقات للشراكة العسكرية مع الناتو ودول البحر المتوسط.
الصراع إذا مرشح للانفجار في أي وقت ولايبدو قادة البلدين قادرين علي الانكباب عوضا عن نار البارود باتجاه التنمية والتعمير والاستفادة من العائدات الضخمة للثروات البترولية التي تفجرت بالمنطقة لتوفير حياة كريمة لمئات الألوف من الأرمن والأذريين تحلق بهم بعيدا عن معاناة الحرب وشظف العيش تحت المظلة السوفيتية ولكن التشدد البغيض واحقاد الماضي أزكمت رائحتها الكريهة أنفي, لكنها لم تصم آذاني عن سماع دقات طبول الحرب.