Journalism Network

أوكرانيا: بوابة عبور المهاجرين… نحو المجهول

"أرسلني أحدهم إلى أوروبا... فاكتشفت أنني في كييف!"
أوكرانيا: بوابة عبور المهاجرين… نحو المجهول


تشيرنيغوف (أوكرانيا) – وسام متى


بضع مئات الدولارات وتأشيرة دخول سياحية لتصبح بعدها في أوروبا. من هنا تبدأ مأساة المهاجرين غير الشرعيين عبر البوابة الأوكرانية... القصة تتوالى فصولاً: توقيف، حكم قضائي بالسجن لمدة ستة أشهر، الترحيل إلى الوطن الأم، أو الدخول في حلقة الاعتقال المفرغة في مركز روسوديف.

ليست أوكرانيا الدولة الوحيدة التي تواجه ظاهرة الهجرة غير الشرعية، لكنها تعد أحد البلدان الأكثر استقطاباً، كونها تشكل مفترق طرق بين روسيا وآسيا الوسطى والشرق الأوسط من جهة، وأوروبا من جهة ثانية.

وبحسب المتحدث باسم شرطة حرس الحدود الأوكرانية دودكو فاليري فإنّ عدد المهاجرين غير الشرعيين الذين تم إلقاء القبض عليهم، ضمن منطقة عمليات مركز شيرنيغوف (شرق)، بلغ خلال السنوات الستة عشر الماضية نحو 3779 موقوفاً ، مع الإشارة إلى أنّ هذا الرقم لا يعكس الحجم الحقيقي لهذه الظاهرة.

وإضافة إلى أولئك الذين ينجحون في اجتياز تلك الأسلاك الشائكة، التي تمتد على مسافة 408 كيلومترات، وتلاقي مثيلاتها الروسية والبيلاروسية في نقطة مشتركة أقيم فيها تمثال "الأخوات الثلاث"، فإنّ البوابات الأوكرانية تتوزع بين نقاط عبور برية باتجاه مولدافيا ورومانيا وهنغاريا وسلوفاكيا وبولندا، وأخرى مائية عبر البحر الأسود وبحر آزوف، علماً أن طول الحدود الأوكرانية البرية يبلغ 5737 كيلومتر.


تجارة الهجرة

كييف صباحاً... في مقهى وسط العاصمة يفاجئك شخص بكلمات تستشف أنها روسية، لكنها سرعان ما تتحول إلى انكليزية بلكنة خاصة عندما يعلم أنك آتٍ من لبنان. يحاول كسب ثقتك بالقول أن لديه العديد من الأصدقاء العرب ممن كانوا يتابعون دراستهم في بلده، إلى أن يدخل في صلب الموضوع: "لماذا لا تبقى في أوكرانيا؟ بإمكانك العمل هنا. لن يكلفك الأمر سوى 500 أو ألف دولار، وأنا أتدبر أمرك لدى الشرطة". تسعى إلى إفهامه أنك في رحلة عمل، فيلجأ عندئذ إلى حيلة أخرى للحصول على المال "أنا جائع... هل تعطيني 50 غريفني (حوالي ستة دولارات)؟".

على بعد 275 كيلومتراً، وتحديداً في مركز روسوديف لتأهيل المهاجرين غير الشرعيين، والذي تم بناؤه في العام 2008 بتمويل من الاتحاد الأوروبي، يبدو أنّ أحدهم قد وقع في الفخ ذاته: شاب مصري في الثانية والعشرين من العمر يتحدث لـ"السفير" عن مشكلته قائلاً "كنت أواجه مشاكل في مصر. ذهبت إلى روسيا، وهناك تعرفت على رجل قال لي: سأرسلك إلى أوروبا. عندما وصلنا، أخذ مني ألف دولار وغادر. أوقفتُ سيارة أجرة فسألت السائق: أين أنا؟ فقال: أنت في كييف!". ويتابع "جاؤوا بي إلى هنا من دون محاكمة. لم أقابل أي قاض. قالوا لي ستسجن لفترة ستة أشهر".

لا يريد هذا الشاب، الذي طلب عدم ذكر اسمه، العودة إلى مصر، كونه ملاحقاً من قبل السلطات بسبب انتمائه لجماعة "الإخوان المسلمين". كل ما يطلبه هو اللجوء في أوكرانيا. تسأله عن طبيعة مشكلته مع السلطات في بلده، فيتحفظ، محاولاً صرف أنظارك إلى مهاجر هندي أعلن إضراباً عن الطعام.

يشرح الرجل الخماسيني مشكلته، مستعيناً بزميله المصري، فيقول "لا أحد يسأل عليّ. فقدت جواز سفري وطلبت الاتصال بسفارة بلادي لكني لم أجد رداً رغم أنني أمتلك نسخة عن بطاقة الهوية. حتى أهلي لا يمكنني التواصل معهم". ويضيف "أنا معتقل هنا منذ خمسة أشهر، وبقي لي شهر واحد، لكنني أخشى الخروج، لأنّ رجال الشرطة سيكونون بانتظاري على مدخل المعتقل، وسيعيدونني إلى هنا على الفور".

هذه الرواية يرددها كثيرون في هذا المركز، فأحد الشبان الباكستانيين يوضح أنّه "بمجرد أن نخرج من هنا سنرى رجال الشرطة يتربصون بنا. يطلبون مبلغاً يتراوح بين مئتين وخمسمئة دولار، وإذا لم نستجب لرغبتهم يعيدوننا إلى هنا". ويتابع "هنا في المعتقل يعلمون ذلك جيداً، ولا يفعلون شيئاً"، مشيراً إلى أنّ أحد مواطنيه ما زال يدور في هذه الحلقة المفرغة لأكثر من ثلاث سنوات.

أمّا التونسي ناصر (38 عاماً)، فيقول "أريد العودة إلى بلدي لكنهم يرفضون إطلاق سراحي". ويتابع "أنا أقيم في هذه البلاد منذ خمس سنوات، وقد تزوجت من أوكرانية أنجبت لي ولدين، ولديّ أيضاً ترخيص إقامة كاملة. انتهت صلاحية جواز سفري، والسفارة التونسية في كييف أقفلت أبوابها".

"أقوال هؤلاء لا تمت إلى الحقيقة بصلة"، يقول المسؤول الأمني عن المركز العقيد زينتشينكو فاليري، موضحاً أنّ التونسي ناصر على سبيل المثال يقيم علاقة غير شرعية مع امرأتين في أوكرانيا، وقد منحته سلطات الهجرة فرصة لتسوية أوضاعه ومغادرة البلاد لكنه رفض، وهذا حال كثيرين هنا.

ويشير فاليري إلى أنّ المهاجرين غير الشرعيين في هذا المركز هم من "الموقوفين إدارياً"، نافياً بذلك رواية "السجن من دون محاكمة". أمّا عن فترة الاعتقال الطويلة فيشير الضابط، ذو الطباع السوفياتية، إلى أنها ضرورية لدراسة أوضاعهم والتنسيق مع سفارات دولهم والبدء بإجراءات الترحيل". ويضيف "نحن نحترم حقوقهم الإنسانية، ونؤمن لهم احتياجاتهم الأساسية، بما في ذلك الاتصالات الهاتفية وخدمة تحويل الأموال".

وبحسب فاليري فإنّ "روسوديف يعد من أهم مراكز التوقيف الاحتياطي للمهاجرين غير الشرعيين، سواء لجهة مطابقته للمعايير الدولية، أو لجهة التقنيات الحديثة المجهز بها"، ومن بينها جهاز متطور لتحديد هوية المهاجرين الذي يتكتمون عن ذكر جنسياتهم.

يمتد هذا المركز على مساحة 16 هكتاراً، ويعمل فيه نحو 177 موظفاً، من الشرطة والمدنيين، بينهم 85 يتابعون أوضاع الموقوفين. أما قدرته الاستيعابية فهي 208 مهاجراً، علماً أنّه يضم حالياً 98 موقوفاً من مصر وتونس باكستان وأفغانستان والهند وأذربيجان وبنغلاديش وجورجيا والصين والكاميرون وغانا.

لكل في هذا المركز روايته التي تحتمل الصواب كما الخطأ. تغادر روسوديف باتجاه تشيرنيغوف ومنها إلى كييف. الجهد قد ينسيك كل ما سمعت، فيما آلة التسجيل ملاذك الأخير لكي تتذكر. لكن ما لن تنساه أبداً نظرات طفل أفغاني بقي هناك، ومن المؤكد أنه بدا الأكثر صدقاً من بين الجميع... فهو الوحيد الذي لم يختار مصيره!

Views: 0

© 2012   Created by Arne Grauls.

Badges  |  Report an Issue  |  Terms of Service