الطريق من مدينة "تشيرنيكوف" الأوكرانية القريبة من الحدود الأوكرانية الروسية مليئة بالحفر والمطبات، الجو ممطر هذا الصباح والكولونيل الأوكراني "فاليري" يردد بصوته العسكري المنضبط: "لا يسمح لكم بالتصوير إلا بعد طلب الإذن من الموقوفين والحصول على موافقتهم".. الطريق المعبدة قديمة جدا وتعود إلى أيام الجيش الأحمر تجعل سيارة "الفولزفاكن" التي تقل 24 صحافيا تهتز بركابها بقوة مخيفة، ومن بعيد يظهر مركز اعتقال المهاجرين غير الشرعيين.. هناك حيث يوجد 98 حراك ألقي القبض عليهم من طرف حرس الحدود الأوكراني بعد أن حاولوا التسلل من جهة الحدود الروسبة والبيلاروسية إلى أو كرانيا ومنها إلى الإلدوارادو الأوروبي "كما يحدث مع المغرب تماما"، والتعليق الأخير لمارك سيقلي، مرشد الرحلة.
تفتح الأبواب الحديدية لمركز الاعتقال.. المنظر يشبه كثيرا تلك الصورة التي تداولتها الوكالات العالمية لمعتقلي غوانتانامو الذي يسيرون في صف واحد.. سجناء مركز الاعتقال الأوكراني وقفوا أيضا في صف واحد طويل ينتظرون أن يفتح الضابط "الضخم" باب الساحة الموصدة بالأغلال الحديدة.. ملامح "الحراكة" سمراء رملية بعيدة كل البعد عن لون بشرة "السلافيين"، أجسادهم نحيلة عكس أكتاف الحرس الشديدة، عيونهم ذابلة وتنظر إلى ما وراء السياج الحديدي، تلك النظرة التي يمارسها كل البشر حين ينتظرون زورارا على أحر من الجمر.. إنهم يقتربون الآن.. الباب يفتح الآن.. أصوات تتعالى الآن.. وأول توضيح: "نحن مسلمون"، ورد الزوار "نحن مسلمون أيضا".
من وراء السياج الحديدي كان بعض الحراس يراقب اللقاء ببعض الاشمئزاز الواضح: لقاء زوار يحملون لون الأرض بمهاجرين يحملون لون الأرض في ساحة وقف واسعة ترصدها عيون العسكر والكاميرات الإلكترونية. عيون المعتقلين فرحة ومترددة تحملق بتمعن إلى الكاميرات الصحافية وآلات التصوير الفوتوغرافية التي كسرت هدوء المكان وعبأت رجال أمن المركز وحتى الكولونيل الكبير صاحب النظرات المخيفة والوقفة العسكرية المنضبطة ظل ينتظر الوفد لأكثر من ثلاث ساعات، فيما بعض المعتقلين ما زالوا ينتظرون أن تفتح لهم باب حديدية أخرى ليتمكنوا من الخروج والاقتراب من الصحافيين.
النهايات الحدودية
"من أفغانستان مرورا بروسيا ووصولا إلى أكرانيا ومنها إلى أوربا" هكذا كان العسكري الأول بالمركز، "زينتشينكو فاليري" يلخص المسار الذي قطعه 98 شخصا قدموا من 12 بلدا: أزربدجان، أفغانستان، بنغلادش، غانا، مصر، الهند، الكامرون، الصين، باكستان، روسيا، تونس وجورجيا، وهنا يستطرد الكولونيل "زينتشينكو" بصوت عسكري مجلجل: "أوكرانيا اليوم هي قائدة مراقبة الحدود في أوروبا"، يقول "زينتشينكو" هذه الكلمات ويملأ وجهه إحساس واضح بالفخر. يترنح الكولونيل قليلا على كرسيه، ثم يوجه نظرة ثاقبة إلى عيون كل الصحافيين ليتأكد من أثر الخبر على وجوههم وما إن كانوا قد دونوا المعلومة، ويستمر في مديح سجنه الحصين قائلا: "نحن نحترم المعايير الأوروبية في احتجاز المهاجرين السريين".
كان الكولونيل "زينتشينكو" يبدو واثقا وهو يطلق العبارة الأخيرة، كالذي يحمل تحديا مضمرا: "سوف ترون بعيونكم"، لكنه لم يستطع إخفاء هذا التحدي لمدة طويلة وسيعلنه أمام الجميع: "سوف ترون بعيونكم"، بعد هذه العبارة هم الكولونيل واقفا، وبين التحدي وساحة المعتقل كانت هناك بقايا صور: طاولة أكل أوكرانية على شرف المدعويين، كاميرات صغيرة معلقة تملأ أرجاء المكان، حراس بزي عسكري خاص بالمركز، كلام وأوامر أوكرانية عسكرية غير مفهومة، لون أزرق فاقع يصبغ جدران الحجرات، وأسلاك شائكة تحيط كل الأسوار و"زينتشينكو" يحس بالفخر الواضح على وجهه الأبيض وعيونه الزرقاء التي تشبه عيون القطط، قبل أن يعود للتأكيد من جديد قائلا: "غير مسموح لكم بالتصوير إلا بعد موافقة السجناء.. واتركوا هواتفكم النقالة عند المدخل".
صمت الكولونيل "زينتشينكو" عند الباب الحديدي الأول المؤدي إلى ساحة مركز الاعتقال وتحدث المهاجر السري التونسي ناصر كمالي (38) قائلا: "أريد أن أعود إلى تونس لكنهم لا يريدون إطلاق سراحي"، هنا بدأت لعبة "الأطرش في الزفة" مع الجنود الأوكرانيين فلم يعودوا يستطيعون فك الشفرة، فقد بدأت اللغة تتغير بـ 180 درجة جهة العربية داخل الفضاء السجني، وكلمات لا يعرف الجنود وقعها: "الحكرة"، الخوف، "الحلم"، الحرية... كلمات لا يعرف معناها إلى من يفهمها، لذلط قرر "زينتشينكو" الحديث إلى مدرائه الإداريين بذل متابعة أحاديث العرب "غير المفهومة".
حزن الغرباء
"أريد بالفعل أن أعود إلى بلدي لكنهم لا يتركونني" هكذا استطرد التونسي ناصر، الذي أمضى في أوكرانيا 17 سنة وهو يمارس الأعمال الصغيرة وصاحب أوكرانيتين أنجب من كل واحدة منهما طفلا، لكن ومنذ شهرين تم اعتقاله عندما وجدوا أن جواز سفره قد فقد صلاحياته وأنه كان يقيم مع الأكرانيتين بدون عقد زواج، فاعتقلته الشرطة الأوكرانية بالعاصمة "كييف" وحكم عليه بعد ذلك بستة أشهر سجنا في مركز اعتقال المهاجرين السريين، لكن تعليق الكولونيل "زينتشينكو" على كلام ناصر كان باللهجة التالية: "لا تصدقوهم إنهم دائما يكذبون.. إنهم لا يريدون الرجوع إلى بلدانهم"، فيما التونسي يردد أمام كاميرات الصحافيين: "أريد الرجوع إلى تونس".
يعود الصمت قليلا إلى أرجاء المكان، وتعتاد عيون الزوار على عيون السجناء، وفي ركن قصي من المعتقل كان محمد الأفغاني يجلس وحيدا ويراقب ما يحدث بعيون مرتابة: "السلام عليك" ويرد محمد التحية بأحسن منها. "هل تريد أن تتحدث معي قليلا عن قصة وصولك إلى هنا". نظر محمد بتمعن وتفحص لثوان الواقف أمامه وبحث في ذهنه عن بقيا كلمات عربية يجيب بها، ولم يجد غير كلمة "لا" قبل أن يستطرد بإنجليزية متعثرة: "يجب أن أن تأحذوا الإذن من عند الأمير"، وهذا الأخير كان جالسا في نهاية الساحة، لا يتحدث كثيرا ويراقب الوضع، إنه زعيم فرقة الأفغان المسلمين في معتقل "كييف" للمهاجرين السريين، والذي أمر رجاله أن لا يتحدثو "إنها أوامر الأمير" كما يقول أحد الأفغان.
هنا الأسلاك الشائكة تملأ المكان، هنا الخروج من وراء البوابات الحديدة شبه مستحيل لكن "أحد الجزائريين يدعى سعيد والذي كان معنا تمكن من الهرب منذ ثلاثة أشهر" كما يحكي شادي المصري الذي ترك "أم الدنيا" بعد أن وعده أحدهم بترحيله إلى أوربا ليجد نفسه على الطرف الآخر من بلاد السيد الأبيض في مركز لاعتقال المهاجرين السريين بأوكرانيا، هنا يبدأ شاذي بالتذكر ويختم قائلا: "لا أستطيع العودة إلى مصر.. أنا من الإخوان المسلمين وإذا عدت سوف يعتقلونني" ويصمت من جديد قبل أن يطالب المصورين بالتقاط شهادته بطريقة لا تكشف عن ملامح وجهه ويعود للتأكيد "أنا من الإخوان المسلمين ولا أريد العودة".
تهب ريح شرقية باردة، تهز أغصان الأشجار، وتحرك شعر النساء في ساحة المركز السجني الأوكراني ويسمع ذلك الصوت الذي يصدر حين تلتفي أغصان الأشجار العالية ببعضها وأصوات أوراق الأشجار ببعضها.. وهنا يسود الصمت بين الجميع وتتوقف فلاشات آلات التصوير، ويتوقف الكولونيل "زينتشينكو" عن الكلام، وتتوقف "أسئلة الصحافيين".. إنها تلك الريح التي تسمع لكنها لا تهز الأسلاك الشائكة المحيطة بأسوار المعتقل.