تصعد درجاً طويلاً فتصل إلى ممر كبير يحيطه من الجانبين صور وجوه وأسماء وتواريخ. هم وجوه ضحايا النزاع الأذربيجاني-الأرمني. هناك تسمع إلى العصافير ولا ترى سوى أشجار
الجاكارندا البنفسجي المنتشرة في باكو وزهوراً موضوعة على بعض الأضرحة. ففي
"قبر الشهداء" يستريح الكلام. ومن هذا القبر يتشعب أمامك تاريخ هذا
البلد العتيق والمنعتق من الاتحاد السوفياتي. إنه أذربيجان.
أذربيجان الممددة على بحر قزوين هي من أقدم البلدان في العالم وتعيش حالياً سياسة المحاور. تلعب على لوحة متعددة من الدول ويشكل فيها صراع إقليم كاراباخ نقطة انطلاق. من هذا
المفصل تحدد أذربيجان علاقاتها الخارجية مع الدول ولا سيما مع روسيا، فهذا الصراع
الذي تعود جذوره إلى العام 1923 يقلق باكو إنما في الوقت نفسه تعرف كيف تظهره
للخارج وخصوصاً أمام وفد من شبكة "اتحاد دول الجوار الأوروبي" الذي يزور
البلد لمدة أسبوع. فلا يتردد نائب وزير الخارجية الأذربيجاني حافظ باشاييف من
القول: "اول هدف لسياستنا الخارجية هو قيادة السلام والمساعدة على حل سلمي
لهذا النزاع". حتى الآن يعترف باشاييف "أننا لم نتوصل إلى حل ولكننا لا
نزال نأمل في التوصل إليه قريباً".
نزاع تاريخي
جواب دبلوماسي أعلنه باشاييف أمام الوفد الصحافي وإن كان بذلك لم يلغ أو يخفف من حدة النزاع تنامى بشكل تدريجي ونفذت خلاله الجهتان التطهير العرقي ببعضهما. بداية
النزاع كان بإعطاء الحكومة الروسية إقليم كاراباخ رسمياً لأذربيجان. وبعد تفكك
الاتحاد السوفياتي ونيل اذربيجان استقلالها عام 1991 اندلعت الحروب بين الأخيرة
وأرمينيا، إذ كل منهما أراد ضم هذه البقعة إلى أراضيه. هذه البقعة التي تسكنها
أغلبية أرمنية فكانت النتيجة نزوح متبادل: أرمن نزحوا من أذربيجان إلى أرمينيا،
وأذريون نزحوا من أرمينيا إلى أذربيجان، فضلاً عن الضحايا الذين سقطوا. وبحسب
الحكومة الأذربيجانية هناك ثلاثين ألف قتيل أذري ومليون نازح.
تطورت لغة النزاع عسكرياً وبذلت جهود دبلوماسية دولية لإيقافه إنما من دون التوصل إلى تسوية. 15 عاماً بعد وقف إطلاق النار ولا حل. إلا أنه وقبل أقل من عام تلاقى
الرئيسان الهام علييف وسيرج سركيسيان في موسكو في سعي إلى انهاء النزاع. كل ذلك
بقي في إطار المساعي وربما من مصلحة الدول
الكبرى ترك هذا الفتيل. من هنا وضع باشاييف الحل في يد المنظمة الدولية لتحمل
مسؤولياتها في هذا النزاع التاريخي. وحين سئل عما إذا كانت روسيا هي مفتاح الحل،
أجاب مبتسماً: "أعتقد أن روسيا يمكن أن تؤدي دوراً مهماً".
دور روسي ربما لم تستعمله موسكو حتى الآن، فعلاقة بين روسيا وأذربيجان يمكن وصفها بالحذرة بسبب الحرب الروسية-الجورجية في صيف العام 2008، والدعم العسكري الروسي
لأرمينيا، وكل ذلك من أجل أن تبقي يدها على المنطقة، وبالتالي فإن موسكو هي
المستفيد الأول من الوضع غير المستقر لا بل المأزوم بين باكو ويريفان.
يصعب زيارة اقليم كاراباخ الذي يبعد عن باكو حوالي 270 كيلومتر غرباً بسبب القنص واللااستقرار، إلا أن زائر العاصمة الأذرية لا يحتاج إلى الكثير كي يستنتج أن
التشنجات لا تزال قائمة بين الشعبين الأرمني والأذربيجاني، فالكنسية الأرمنية في
وسط باكو لا تزال مقفلة، ومن المستحيل أن تسأل مواطناً من العاصمة الأذربيجانية عن
هذا النزاع او أن يجيبك بسهولة ورحابة صدر وبالطبع العكس قد يكون صحيحاً فالصراع
تحول معضلة للطرفين.
موالية لأذربيجان
تسير بين شوارع العاصمة الضيقة وزحمة السير الدائمة وتلمح المساجد لكنك لا تسمع مرة صوت الآذان، فأذربيجان أول دولة علمانية ذات أصول مسلمة حتى أنها تسبق تركيا في هذا
المجال، تحاول أن تلاقي جميع الحضارات العربية والأوروبية والأميركية والروسية،
وهذا ما ينعكس أيضاً على سياساتها الخارجية. تراها بين إيران وروسيا وأميركا فكيف
تنجح في هذا التوافق؟ يجيب باشاييف: "ليس سهلاً ان تنسج هذا التوافق لكننا
مستعدون لتحقيقه". ويتابع: "أذربيجان ليست موالية لأميركا أو لروسيا،
إنها موالية لأذربيجان". ومن هذا المفهوم يطور البلد دبلوماسيته فباشاييف
الذي يحتل أيضاً منصب مدير الأكاديمية الدبلوماسية في أذربيجان يشرح أهداف هذه
الأكاديمية التي تعتبر مشروعاً ضخماً باشرت الدولة تنفيذه ومن المتوقع أن ينتهي
بناؤه السنة المقبلة. هو يضم مراكز تثقيفية وتسلية وتعليم، ويعمد إلى تخريج دفعة
من الدبلوماسيين المستقبليين لباكو. تلتقيهم داخل الأكاديمية وهم من جنسيات
مختلفة، وإن كانوا غالبيتهم من دول أفريقية. هؤلاء يغوصون في "تعميم"
السياسة الأذرية الخارجية أو "تسويقها"، لا سيما أن أذربيجان دولة شابة نالت
استقلالهاحديثاً فهي تجهد لأخذ موقعها على الخريطة الدولية، ولكن إلى اي حد يخدم
العامل الجيوسياسي مصالحها أم انه يعوق تطورها؟.
في الانتماء الحضاري لاذربيجان انها كانت عام 1830 قطعة من اراضي الامبراطورية الإيرانية التي اضطرت للتخلي عنها للامبراطورية الروسية. وعلاقة باكو وطهران معقدة
تتجمع فيها كل العوامل التي يمكن ان تدهور أي علاقة بين دولتين. فمن جهة، هناك
المسألة الاسرائيلية التي تبدي أذربيجان تراخياً فيها وصلحا تاما، ومن جهة أخرى
الملف النووي ومشكلة تحديد الدولتين للمياه الاقليمية لبحر قزوين، فضلاً عن أن 20
في المئة من سكان شمال إيران هم من الاذريين، وبالتالي فإن من مصلحة إيران عدم
تقوية أذربيجان. هذه الزعزعة في العلاقات الثنائية بين البلدين يخففها باشاييف
فعيد المسألة إلى إطاره الدبلوماسي حين يقول: "لا نحبذ ابداً سياسة العقوبات
وبالتالي لن نتخذ أي عقوبة بحق إيران فهذا سيؤدي حكماً إلى مزيد من المشاكل. نريد
حل الأمور بالدبلوماسية خصوصاً أننا اختبرنا سياسة العقوبات وأدركنا انها لا توصل
إلى حل".
50 في المئة من ثروة نوبل
باكو الغنية بالنفط والغاز تحتل موقعاً استراتيجياً بين روسيا وإيران وتدرك جيداً اهمية العامل الجيوسياسي الذي يعتبر سيفاً ذا حدين تماما كما الثروة النفطية. والسؤال هل
ساعدت هذه الطفرة النفطية أذربيجان؟ وحدها الأرقام تعبر عن ضخامة باكو النفطية. 50
في المئة من ثروة عائلة نوبل جمعت في أذربيجان، ففي منتصف القرن التاسع عشر جاء
ألفريد نوبل إلى باكو وكان يريد صناعة البنادق، فما كان منه إلا أن انشأ أول مصفاة
نفط في العالم هنا في باكو. بعد استقلال اذربيجان عن الاتحاد السوفياتي، كان الهدف
الرئيسي للدولة المستقلة اثبات مكانتها النفطية بعيداً عن "العملاق الروسي"،
فكان ان شهد العام 1994 "اتفاق القرن" أي اول اتفاق نفطي. حين تقصد
منطقة بايلوف في قلب باكو، تشاهد المنشآت النفطية الضخمة التي يستند إليها اقتصاد
باكو، وتشكل عناصر الطاقة اداة استقلال سياسي، فيما تعتبر عائداتها المالية مصدر
إعادة اعمار البلاد. فكيفما سرت في باكو، تشاهد ورش الإعمار والابنية التي يعاد
تأهيلها. حتى الطرق "تنفض" من جديد. وتلحظ طفرة في المراكز قيد البناء
والنتاقض بين أبنية قديمة تكاد تهوي فوق رأسك وابنية أكثر من فخمة. هو تناقض في
العمران، أو أنه انتقال تدريجي من مرحلة إلى أخرى، ويعتبر فيها النفط الممول
الأول. يشرح نائب رئيس شركة "سوكار" الشاد نازيروف ان باكو "هي أول
مدينة خرج منها النفط الصناعي، وفي بداية هذا القرن شهدنا فورة نفطية فسجلها انتاج
نجو مليون برميل نفط في اليوم". و"سوكار" هي الشركة الوطنية للنفط
التي تضم نحو 65 ألف موظف، وحتى الآن وقعت
20 اتفاقاً نفطياً. وكما في السياسة الخارجية كذلك في الاستراتيجية النفطية وسعت
اذربيجان محاورها. حالياً هناك ثلاثة خطوط نفطية، واحد لتأمين النفط لدول العالم (باكو-جيهان)، وآخر لروسيا (التيار الجنوبي)، وثالث لأوروبا (نابوكو). هي
استراتيجية نفطية واضحة. يعلق نازيروف: "هدفنا واحد، وهو تنفيذ قواعد
الحكومة، فنحن لا نعمل سياسياً، تعليماتنا محددة، وهي أننا منظمة تجارية واقصى
هدفها الربح لمصلحة الشعب، لا اتفاقات سياسية لمصلحة أحد. نصدر الغاز والنفط لكل
من يريد ويدفع".
وعلى الرغم من هذا الفصل السياسي النفطي، فإن نازيروف يدرك العامل السياسي حين يقول إنّ "أوروبا لا تريد أن تكون رهينة النفط الروسي، ولا تريد أن تأخذ النفط من
إيران، عندها تصبح باكو البديل الأول"، فإذربيجان "شقيقة حديثة"
لأوروبا، فهي انضمت إلى اتفاق الشراكة الأوروبية عام 1996، وتحاول الاقتراب شيئاً
فشيئاً من الحضارة الأوروبية ان كان في العمران الحديث أو الألبسة أو حتى الطعام.
60 في المئة من الاقتصاد الاذربيجان يعتمد على النفط، إلا أن الحكومة تتطلع إلى ضرورة تعدد وسائل الاقتصاد. ويكشف باشاييف "ثمة مشروع في المجال الزراعي ونحن نعمل
في هذا الاتجاه حتى لا نبقى أسرى الثروة النفطية، التي يمكن أن تخف أو تتهدد
يوماً".
وضمن استراتيجية شركة "سوكار" فإن المسؤولين لا يبقون من الأرباح أكثر مما يحتاجون إليه للتطوير، وكل الأرباح الأخرى تأخذها الحكومة لإعمار البلد ولانفاقها
في مشاريع تاهيل البنى التحتية والمشاريع الاجتاعية والاستشفائية والتربوية، فضلاً
عن أن جزءاً من الأموال يذهب لمساعدة النازحين من إقليم كاراباخ.
16 مليار دولار هي في حساب الصندوق النفطي للدولة حالياً، وفق نازيروف، وقد انفق 14 مليار دولار، فيما أنشأت الشركىة اخيراً شركة تجارية لها في جنيف وتضم طاقماً من
الموظفين الدولييين.
ينتاب زائر باكو شعوراً بأن العاصمة ستكون مختلفة تماماً بعد أقل من عامين لكثرة الورش والنهضة التي تشهدها، ولكن هل ستصبح أذربيجان قوة أم انها ستدفع ثمن غناها
النفطية، إذ أن تاريخ الدول الغنية بالنفط والتي تكون في طور النمو لا يبعث أبداً
على التفاؤل. وحين تزور "شانغاتشال"، أكبر مصب نفطي في العالم، تلمس
ضخامة هذه الثروة وتدرك ماذا يعني أن يمتلك بلد كل هذه الطاقة المتفجرة ليس
صناعياً فقط بل سياسياً وبالدرجة الأولى.
وربما هذا ما يدفع باكو حالياً إلى خوض غمار التفتيش عن هوية لها فتقترب من شعب ضائع بين الحضارات الغربية والشرقية والروسية، فهل ستستقر على هوية خاصة بها لتصبح قوة لا
يستهان بها في المنطقة أم انها ستبقى ضائعة في هوية متناقضة؟
Tags:
© 2012 Created by Arne Grauls.